مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
36
شرح فصوص الحكم
الموصوف فلا يدرك العالم الحق أبدا فلا يزال الحق من حيث القدم غير معلوم علم ذوق وشهود لأنه لا قدم للحادث في القدم فعلم الحادث للقديم من حيث القدم ليس من المعلوم الذوقية بل بمجرد الاطلاع فإذا لم يكن للحادث قدما في الوجوب الذاتي لم يكن جامعا لجميع الصفات الإلهية وقد كان اللّه جمع لآدم بين يديه ( فما جمع اللّه لآدم بين يديه إلا تشريفا ) على سائر المخلوقات لا لشرفه في حد ذاته فلو لم يشرفه اللّه تعالى فهو كسائر الموجودات كما أن المكة مشرّفة بتشريف اللّه تعالى وإلا فهو واد كسائر الأودية فلا يكون جمعية الإنسان الكامل علة تامة الجمعية اليدين بل لا بد في التشريف من تشريف الحق ( ولهذا ) أي ولكون الجمع للتشريف ( قال ) اللّه تعالى : قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] فإنه مستحق أن تسجد له لشرفه عليك لكونك مخلوقا بيد واحدة وهذا التشريف أي تشريف جمع اليدين مختص لآدم ( وما هو ) وليس جمع اليدين لآدم ( إلا عين جمعه ) أي إلا عين جمع اللّه لآدم ( بين الصورتين صورة العالم ) وهي مجموع الحقائق الكونية ( وصورة الحق ) وهو مجموع الحقائق الإلهية من الأسماء والصفات فآدم عبارة عن الصورتين واليدين ( وهما ) أي الصورتين ( يد الحق ) باعتبار اتحاد الظاهر والمظهر إذ بهما يتصرف الحق فعبر عنهما باليدين كما عبر عن الجلال والجمال فما أمر الملائكة إلا لأن يسجدوا للَّه تعالى فكانت سجدتهم للَّه وقبلتهم آدم وأبى إبليس عن أمر به لعدم علمه بذلك ( وإبليس جزؤ من العالم ) فكان جزءا من جزء آدم ( لم تحصل له هذه الجمعية ) التي لآدم ( ولهذا ) أي ولأجل حصول هذه الجمعية لآدم ( كان آدم خليفة ) فإذا كان خليفة فلا بد أن يكون ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه ( فإن لم يكن ) آدم ( ظاهرا بصورة من استخلفه فيه ) أي في العالم ( فما هو خليفة ) لامتناع التدبير والتصرف حينئذ وكذلك لا بد أن يكون ثابتا فيه جميع ما تطلبه الرعايا ( وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها ) فليس بخليفة حذف الجواب للعلم به وإنما وجب أن يكون فيه جميع ما تطلبه الرعايا ( لأن استنادها ) أي استناد الرعايا ( إليه ) أي إلى آدم لا إلى غيره فإذا كانت مستندة إليه ( فلا بد أن يقوم ) عليهم ( بجميع ما يحتاج إليه وإلا ) أي وإن لم يقم بجميع ما يحتاج إليه ( فليس بخليفة عليهم ) فإذا كان الأمر كذلك ( فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل ) لا لغيره من المخلوقات . ولما فرغ عن ذكر الخلافة شرع في تصريح ما علم التزاما بقوله : ( فأنشأ صورته ) أي صورة الإنسان الكامل ( الظاهرة ) الموجودة في عالم الشهادة وهي صورة الجسدية ( من حقائق العالم وصوره ) أي ومن صورة العالم ( وأنشأ صورته الباطنة ) وهي صورته الروحية الموجودة في عالم الغيب وهو المراد من قوله خلق اللّه آدم ( على صورته ) أي على صفات اللّه وأسمائه ( ولذلك ) أي ولأجل إنشائه على صورته ( قال فيه ) أي في حق آدم ( كنت سمعه وبصره ) وهما من صفات اللّه تعالى ( وما قال كنت عينه وأذنه ) وهو من